ابن عجيبة

411

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الثالثة : الجمع الأتم ، وهو الحال الذي يقضى بقطع الإشارات ، والشخوص عن الأمارات والعلامات ، بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين . الرابعة : الصحو ، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة ، واتصالها ، مع برء الروح من لدغات الدّهش ، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع الدائم . الخامسة : التحقيق ، وهو الوصول إلى المعرفة باللّه ، التي لا تدرك بالحواس ، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق ، حتى تسقط المشاهدات ، وتبطل العبارات ، وتفنى الإشارات . السادسة : البسط ، ونعنى به : بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط الأواني ، وفي ذلك يقول ابن الفارض : فما سكنت والهمّ يوما بموضع * كذلك لم يسكن مع النغم الغمّ السابعة : التلبيس ، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب ، إبقاء للحكمة وسترا عن العامة . الثامنة : البقاء ، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة ، من غير أفول يخل بشمس المشاهدة ، ولا رجوع إلى شواهد الحس ، إنما هو استصحاب الجمع مع استئناس الروح بحلاوة المعاني ، فهو كبائن دان . انظر بقيتها في [ بغية السالك ] . وباللّه التوفيق . ثم قوّى قلوب أهل أحد لمّا انكسرت بالهزيمة ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 137 إلى 139 ] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) قلت : السّنن : الطرق المسلوكة ، وقيل : الأمم . يقول الحق جل جلاله : قد مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * ، وهو إمهالى واستدراجى إياهم ، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم ، فإذا بلغهم أهلكتهم ، وأدلت الأنبياء وأتباعهم عليهم ، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دارسة ، اعتبارا لمن يأتي بعدهم ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ وتعرفوا أخبارهم ، وانظروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأنبيائهم قبلكم ، فكذلك يكون شأنكم مع من كذّبكم . هذا الذي أمرتكم به من الاعتبار ، بَيانٌ لِلنَّاسِ لمن أراد أن يعتبر من الكفار ، وزيادة هداية واستبصار لِلْمُتَّقِينَ .